الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

119

نفحات الولاية

القسم الأول : الدنيا والآخرة عند الإمام علي عليه السلام « أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الدُّنْيَا أَدْبَرَتْ ، وَآذَنَتْ بِوَدَاعٍ وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ ، وَأَشْرَفَتْ بِاطِّلاعٍ ، أَلا وَإِنَّ الْيَوْمَ الْمِضْمارَ وَغَداً السِّباقَ وَالسَّبَقَةُ الْجَنَّةُ وَالْغايَةُ النَّارُ ؛ أَ فَلا تائِبٌ مِنْ خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنِيَّتِهِ أَلا عامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمِ بُؤْسِهِ ! أَلا وَإِنَّكُمْ فِي أَيَّامِ أَمَلٍ مِنْ وَرائِهِ أَجَلٌ ، فَمَنْ عَمِلَ فِي أَيَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ . فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ وَلَمْ يَضْرُرْهُ أَجَلُهُ . وَمَنْ قَصَّرَ فِي أَيَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ فَقَدْ خَسِرَ عَمَلُهُ وَضَرَّهُ أَجَلُهُ » . الشرح والتفسير أشرنا سابقاً إلى أنّ الإمام عليه السلام تطرق إلى عشرة أمور مهمّة في هذه الخطبة الغرّاء لدفع الناس باتجاه الزهد وعدم الاغترار بزخارف الدنيا ؛ فقد ورد في الأخبار - كما أثبتت ذلك التجربة طيلة التأريخ - أنّ حبّ الدنيا رأس كل خطيئة ، وعليه فانّ عدم الإكتراث لهذه الدنيا والزهد فيها يمثل الخطوة الأولى المهمة لإصلاح النفوس ومواجهة الفساد الفردي والاجتماعي . فقد استهل الإمام عليه السلام كلامه بتصدر الدنيا ووداعها لأهلها « أما بعد فان الدنيا قد أدبرت ، وآذنت « 1 » بوداع » . وهنا يطرح هذا السؤال : كيف آذنت الدنيا بالأدبار والوداع ؟ هناك الشواهد والأدلة الحيّة على هذا الأمر ومن ذلك قبور الماضين التي تضم بقايا رفات وعظام الملوك والسلاطين والحكام والأمراء والكهول والفتيان والصبيان ، والأظهر المحدودبة للكهول

--> ( 1 ) « آذنت » من مادة « اذن » بمعنى الاعلان ، ومنه الاذان الذي يعلن وقت دخول الصلاة .